أرشيف الشهر يناير, 2006

ستيفن هوكنغ باختصار

الأربعاء, يناير 11, 2006

 

s1.jpg

ولد ستيفن في الثامن من يناير عام 1942 - وذلك تماما بعد ثلاثمائة سنة من وفاة غاليليو – في أكسفورد, بالرغم من أن والداه كانا يعيشان في الأصل في لندن, ولكن ظروف الحرب العالمية الثانية حتمت على أهله الانتقال, فقد كانت الاتفاقية بين البريطانيين والألمانيين تحتم أن لا يقصف الطرف الأول هايدلبرغ في غونتغن, مقابل أن لا يقصف الطرف الثاني أكسفورد و كامبريدج.

درس والد ستيفن في أكسفورد طب الأمراض الاستوائية, وبعد تخرجه ذهب إلى شرق أفريقيا ليواصل أبحاثه هناك, وعندما بدأت الحرب عاد إلى إنكلترا, أما والدة ستيفن فقد عملت في عدة وظائف, منها مفتشة ضرائب, وفي نهاية مشوارها عملت سكرتيرة, حتى التقت بويليام – والد ستيفن – في السنوات الأولى من الحرب.

عاش ستيفن في “هايغيت” شمالي لندن, وكان له أخت - ماري - تصغره بثمانية عشر شهرا, أصبحت طبيبة فيما بعد, وأخت أخرى - فيليبا - تصغره بخمسة أعوام, وأخ - إدوارد - يصغره بأربعة عشر عاما, وهو بعيد عن الحياة الفكرية والأكاديمية.

ذهب ستيفن إلى دار حضانة “بايرون هاوس” في “هايغيت”, وظل يبكي بالرغم من أن الأطفال من حوله كانوا يلعبون بالدمى, وبالرغم من أنه كان يرغب بمشاركتهم, لكن صغر سنه منعه من ذلك, فهو لم يكن قد تجاوز سنتين ونصف, بعد ذلك أرجعه والداه إلى البيت, ولم يعد إلى دار الحضانة إلا بعد سنة ونصف.

بعد ذلك ذهب إلى مدرسة “بايرون هاوس” وهي مدرسة رفيعة المستوى, وبالرغم من ذلك تعلم القراءة في سن الثامنة المتأخر نسبيا, وفي تلك الفترة سقط صاروخ V-2 على بعد منزلين من منزله, ولم يكن في المنزل آنذاك إلا والده, ولسنوات عدة, كان هناك قنبلة كبيرة في أسفل الشارع اعتاد اللعب عليها مع أحد أصدقائه.

كان لدى ستيفن شغف جارف بالقطارات الدمى, ولم تكن الدمى والألعاب تصنع أثناء الحرب, ومع ذلك حاول والده أن يصنع له قطارا خشبيا, لكن ستيفن كان يريد شيئا يعمل, بعد ذلك اشترى والده له قطار ذا محرك نابض وأعطاه إياه بعد إصلاحه, ولكن ذلك القطار لم يعمل بشكل جيد, وبعد الحرب مباشرة سافر والده إلى أمريكا, وحينما عاد أحضر معه قطار أخر ذو محرك نابض, وكان القطار يعمل بشكل جيد, لكن ستيفن كان يريد قطارا كهربائيا, فانتهز فرصة غياب والده وسحب من صندوق التوفير كل رصيده المتواضع, واشترى بها قطارا كهربائيا, لكن للأسف القطار الجديد لم يعمل حتى الآن.

في العقد الثاني من عمره كان ستيفن يقوم ببناء نماذج للطائرات والقوارب, ولم يكن ماهرا البتة باستخدام يده, لذلك كان يستعين بأحد أصدقائه الذي كان لوالده ورشه ليساعده, في الواقع لم يكن ستيفن يهتم بشكل النماذج بقدر ما كان يهتم بطريقة عملها, و بقدرته على التحكم بها, وفيما بعد اخترع ستيفن سلسلة من الألعاب المعقدة, أحدها لعبة حرب تلعب على رقعة ذات أربعة ألاف مربع.

في السنتين الأخيرتين في المدرسة كان والد ستيفن يريده أن يتخصص في الطب, لكن ستيفن لم يبد أي اهتمام بالبيولوجيات فقد كان يراها وصفية جدا, بينما هو يريد العلم الأكثر جوهرية; الفيزياء.

توجه ستيفن إلى جامعة أكسفورد وهو في السابعة عشر من عمره أي في العام 1959, وكان هناك فارق سني بينه وبين بقية الطلاب مما أشعره بالوحدة. استمر هذا الوضع حتى تخرج بشهادة من الدرجة الأولى, بعد ذلك كان يجب أن يختار أحد طريقين, الأول هو: “علم الكون”, وهو الذي يختص بدراسة الأشياء الكبيرة جدا, والثاني هو: “علم الجسيمات الأساسية”, ويختص بدراسة الأشياء الصغيرة جدا, في الواقع لم يجذبه علم الجسيمات كثيرا لعدم وجود النظرية المناسبة فيه, فكل ما كان يفعله العلماء هو تصنيف الجسيمات في مجموعات. أما في علم الكون, فقد كانت هناك نظرية أكثر من مناسبة: نظرية اينشتاين “النسبية العامة”.

 

s2.jpg

في هذه الفترة – العام 1962- بدأت مؤشرات المرض تظهر على ستيفن, فقد لوحظ أن حركاته أصبحت متعثرة نوعاً ما, بعد ذلك شخص الأطباء إصابته بمرض العصب الحركي ( Motor neuron disease ), وكانت صدمة هائلة بالنسبة له, وكان من المتوقع أن يتفاقم عليه المرض و أن يقضي عليه في سنة أو سنتين, لكنه قرر بعدها أن يعود لمتابعة بحثه الذي كان قد باشره حول النسبية والانفجار العظيم, لكن القنوط واليأس دب فيه, ولجأ بعدها إلى شرب الكحول, ومما زاد الطين بله, أنه قبل تشخيص الحالة كان يشعر بملل مطلق وإحساس بأنه ليس هناك ما يستحق أن يبذل الجهد من أجله.

في تلك الفترة كانت هناك صورة تتكرر في ذهن ستيفن, صورة صبي لم يتعرف عليه تماما كان في السرير المقابل له في المستشفى, مات هذا الصبي بسبب سرطان الدم,  كانت هذه الصورة تذكره بأن هناك حالات أسوأ منه بكثير, وبعد فترة قصيرة بدأ ستيفن يدرك أن هناك الكثير من الأشياء المفيدة التي يمكنه القيام بها. وعلى الرغم من تلبد الغيوم على مستقبلة, فستيفن ظل يتنفس, وتزوج بعدها بفتاة اسمها ” جاين وايلد “, أنجب منها فيما بعد ثلاثة أطفال: روبرت,  لوسي, و تيمي. ولاحقا طلق ستيفن زوجته بعد ما دارت الشبهات حول علاقتها برجل تزوجته في نهاية المطاف. ليتزوج ستيفن مرة أخرى من ممرضته ” ألين ميسون “.

على كل حال؛ ستيفن الآن يتحدث عن مرضه و تجربته بروح عالية, فقد قال في أحد مؤتمرات رابطة مرض العصب الحركي: ” كنت محظوظا بأن أختار العمل في مجال الفيزياء النظرية, لأنه من المجالات القليلة التي لا تشكل فيها حالتي إعاقة فعليه”. وحاليا تعتبره هيئة الإذاعة البريطانية المعاق الأشهر في بريطانيا؛ بعد أحد الاستطلاعات التي قامت بها.

بعد ذلك في العام 1972 نشر مقالة مع عالم أخر ( بنروز) أثبت فيها ضرورة وجود انفجار عظيم شرط أن تكون النسبية العامة صحيحة, وأن يحوي الكون من المادة بقدر ما نشاهده, ولقيت هذه المقالة معارضة شديدة, بعضها من الروس بسبب عقيدتهم الماركسية في الحتمية, وبعضها ممن شعروا أن هذه الفكرة تشوه جمال نظرية اينشتاين, لكن من يستطيع المناقشة مع القوانين و الأرقام, لذلك كان عمل ستيفن مقبولاً في النهاية.

بعدها بفترة وجيزة استخدم ستيفن نفس التقنيات التي اخترعها في الإثبات السابق ليكتشف أن الثقوب السوداء ليست سوداء تماما, فقد اكتشف أنها تصدر جسيمات وإشعاعات بمعدل مستقر, وقد سمي هذا الإشعاع, إشعاع هوكينغ ( Hawking Radiation ).

 

s3.jpg

أيضا عمل ستيفن على دمج نظرية النسبية العامة مع ميكانيكا الكم في نظرية واحدة متماسكة, وكان أحد نتائج ذلك العمل اقتراح قدمه عام 1983 مع عالم أخر ” جيم هارتل” وهو أن الزمان والمكان محدودان في اتساعهما لكن ليست لهما حدود أو حواف. ولهذا الاقتراح بعد فلسفي واسع, فلو كان هذا الاقتراح صحيحاً, فهذا يعني أن قوانين العلم سوف تنطبق في كل مكان, بما في ذلك بداية الكون, وهذا يعني أنه يمكن أن نحدد, باستخدام القوانين العلمية, نالكيفية التي بدأ بها الكون.

في العام 1985 أصيب ستيفن بذات الرئة, وكان عليه إجراء عملية استئصال القصبة الهوائية ( الحنجرة ), مما كان يعني عدم قدرته على النطق بشكل نهائي. وبقي لفترة طويلة يتواصل مع الآخرين عن طريق تهجئة الكلمات حرفا حرفا وذلك برفع حاجبه أو خفضه عندما يشير أحد إلى الحرف الصحيح على لوحة أحرف. بعد ذلك سمع خبيرا بالحاسوب أسمه ” والت وولتوز ” بمشكلة ستيفن, فأرسل له برنامج حاسوبي أسماه ” Equalizer ” يسمح له بانتقاء الكلمات من مجموعة كلمات تظهر على شاشة الحاسوب وذلك بضغط زر بيده, بالإضافة إلى القدرة على التحكم بالبرنامج من خلال حركة الرأس أو العين, وعندما يركب الجملة التي يريد قولها, يرسلها للمركب الكلامي الذي ينطقها. وهذا النظام يسمح له بتركيب خمس عشرة كلمة في الدقيقة. ويعلّق ستيفن بطرافة على هذا الجهاز بقولة: “مشكلة هذا الجهاز الوحيدة أنه أعطاني لهجة أمريكية, أصبحت مميزا بها. والآن, لست أرغب في التغيير حتى لو أعطيت صوتا بريطانيا, لأنني سوف أشعر بأني أصبحت شخصا أخر”, في الواقع أن الغريب في الأمر أن زوجة ستيفن الثانية, ألين, كانت زوجة والت وولتوز, مخترع الجهاز الصوتي الذي يستخدمه ستيفن.

 

s4.jpg

ألف ستيفن العديد من الكتب, ومن أهمها كتاب ” تاريخ موجز للزمن ” ( A Brief History of Time ) الذي طرح في المكتبات العامة عام 1988 و بقي على لائحة الكتب الأكثر مبيعا حتى عام 1993, ففي صحيفة نيويورك تايمز بقى على لائحة الكتب الأكثر مبيعا لمدة 53 أسبوعا, وبقي على قائمة صندي تايمز لمدة 205 أسبوع, وفي الأسبوع 184 دخل الكتاب موسوعة غينيس  لحصوله على أعلى مرات ظهور في اللائحة, وقد ترجم الكتاب إلى ثلاث وثلاثين لغة من بينها العربية, والكتاب بشكل عام بسيط و موجه للقراء العاديين الذين لا يملكون أساس أو خلفية علمية متينة, وحاول ستيفن أن لا يكتب في الكتاب أي معادلة, إلا أنه أضطر لكتابة المعادلة الشهيرة لتي تصف العلاقة بين الكتلة والطاقة E = MC2 , ( الرقم اثنين في المعادلة يشير إلى الأس ), وعلى كل حال فقد قيل لستيفن أن كل معادلة سوف يدخلها في كتابة سوف تنقص عدد القراء إلى النصف, لكن يبدو أن هذه المعادلة كانت استثناء, وعلى كل حال فإن تجنب ستيفن لكتابة المعادلات في كتابة قد أوقعه في مطب كبير, فقد واجه صعوبة كبيرة في شرح مفهومان, الأول هو مفهوم ( الجمع على التواريخ ) ( Sum over histories ) وهي فكرة معناها أنه ليس هناك تاريخ للكون, بل مجموعة من التواريخ, وجميع هذه التواريخ متساوية في كونها حقيقية. ومفهوم ( الزمن التخيلي ) ( Imaginary time) وهو فكرة ضرورية لتكوين الحس الرياضي بالنسبة لمفهوم الجمع على التواريخ.

بعد ذلك بفترة أراد ستيفن أن يكتب كتاب أخر للعامة ففكر قي كتاب يكون تتمة للكتاب الأول, ولكنه تراجع عن ذلك وقرر كتابة كتاب بأسلوب جديد يختلف, فأصدر عام 2001 كتاب أخر بعنوان ” الكون باختصار” ( The Universe In A Nutshell ) وقد ترجم لعدة لغات ومنها العربية وقد ترجم تحت عنوان ” الكون في قشرة جوز “.

 

s6.gif

ومن المعلوم أن ستيفن مولع جدا بمسلسل “ستار تريك” إلى درجة أنه مثّل في احد حلقاته؛وقد ظهر وهو يلعب البوكر مع نيوتن وأينشتاين والقومندان ( داتا ), طبعا تغلب عليهم ستيفن, لكن إنذار بالخطر ظهر فجاءه, وبالتالي لم يستطع ستيفن أن يجمع أرباحه.

 

s5.jpg

وقد تعرض ستيفن مؤخراً لكسور غامضة رفض التعليق عليها كلياً, وقد اشتبهت الشرطة بتلقيه اعتداءات ضرب, لكن ستيفن واصل صمته, مما حدا بالشرطة لإغلاق ملف القضية, ومناشدة الجمهور بمساعدتهم بتقديم أي أدله يعرفونها لكي يفتح ملف القضية من جديد.

أيضا أحدث استطلاع قام به موقع ” فيزيكس ويب” ضجة هائلة, فقد استطاع ستيفن أن يحتل المرتبة السادسة عشر, بعد أرشميدس مباشرة, وقد كان الشخص الحي الوحيد في القائمة, وقد وصف محرر الموقع دخول ستيفن بالمفاجأة لأنه من المفترض أن إنجازات ستيفن تحتاج إلى فترة زمنية أطول لتثبت موقعها.

طبعا ما يزال ستيفن يماطل مع وكيله في موضوع تصوير فيلم عن حياته, بحجة أن لديه الكثير من العمل العلمي, وهو لا يفكر في محاولة منع أي شخص يحاول بمفرده أن ينشر قصة حياة ستيفن, طالما أنها لا تشهر به, لكنه يحاول الحد من عزائمهم بقوله أنه يفكر في كتابة سيرة حياته بنفسه.

وهذا هو ستيفن هوكينغ باختصار ..


كتب في الساعة 4:01 ص  |   التعليقات: 1

أنت تتصفح أرشيف المدونة Saud Omar . com للشهر يناير, 2006.

إقتباسات

"الفنان لا يبكي من الجوع, الفنان يبكي عندما يعجز عن التعبير"
- الكمان المكسور

آخر مراجعة كتاب دوّنت

رواية:الحارس في حقل الشوفان