العين اليسرى
منذ أن ولدت وأنا مصاب بضعف شديد في العين اليسرى, الطريف في الأمر؛ أنني وحتى أصبحت صبياً, كنت أظن أن كل البشر يعانون ضعفاً في العين اليسرى ..
ما زلت أتذكر صدمتي عندما أخبرني أحد الصبية, أنه يرى بالعين اليسرى تماما كما يرى باليمنى ..
والآن أنا أخشى أن تتكرر الصدمة, وان أعرف أن معاناة ألم شاخص دائم يجثم على الصدر مثل براثن أصلة, ليس وضعاً طبيعياً عند كل البشر.
* * *
عند المخدة
ليس سيئاً جداً أن لا تكون حياتنا بالجودة التي ننشدها, على كل حال هذا ليس جوهرها, لكن من المحزن أننا حتى عندما نستلقي على الفراش بعد يوماً مخيباً للآمال – كالعادة – لا نستطيع حتى أن نتخيل حدوث شيئاً جميلاً يبهجنا ..
حتى خواطرنا ,وأحلامنا, وأفكارنا, وخيالاتنا صُفدت بجمل على غرار:
- “هذا مستحيل”
- “هذا غير منطقي”
- “لا تكن طفلاً؛ فهذا الشيء ليس جوهرياً”
- “كن واقعياً بالله عليك!!؛ فلا وقتك ولا التزاماتك يسمحان لك”
- “لحظة؛ ماذا سوف يقول الناس؟!”
- “آه!! نحتاج بالإضافة إلى معجزة عظيمة, معجزة أعظم”
- “لمَ أنا بالذات, من بين ستة مليارات نسمة, قد يحدث لي هذا؟!”
- “لا!!, حتى لو كنت أستطيع, فلن أفعلها؛ لأن العواقب سوف تكون وخيمة”
للآسف؛ لم يعد هناك أي شيء جميل مبهج يمكن أن أتخيل حدوثه حتى قبل النوم.
* * *
الجنس .. أو كما أحب أن أُسميه ( سبعمئة مليون نتيجة بحث )
هل تتذكر اللحظة التي عرفت فيها موضوع “الجنس” ؟ ..
بالنسبة لي مازلت أتذكر أول سؤال خطر لي حينها, وهو: “كيف أمكن أن يتم إخفاء شيء بالحجم الكبير هذا عني؟!”, فعلاً شيء غريب!, بدا لي حينها وكأن المجتمع بل والحياة كلها تآمروا على خداعي, ومواربة هذا السر عني ..
والآن يراودني سؤال شبيه, وهو:”هل يخفي عني المجتمع والحياة شيئاً آخر؟” ..
أعني شيئا ضخماً وأساسياً كموضوع الجنس, غالباً أردد في نفسي أنه مستحيل حدوث أمر كهذا, وأنه لو كان هناك شيء بمثل هذا الحجم لعلمت به, لكني عندما أرى شيخاً طاعناً في السن أتسأل: “كيف استطاع أن يصبر هذا الشيخ حتى هذه السن المتقدمة على هذه الحياة؟”, إنها صعبة جداً, ومتعبة بحق, مستحيل أن استمر حتى أصل لتلك السن على هذا المنوال ..
لا بد أن هناك شيئا يخفونه – المجتمع والحياة – عني, وسوف أعرفه في الوقت المناسب, تماماً مثل موضوع الجنس, شيئاً يجعلهم يستطيعون مواصلة هذه الحياة الصعبة ..
يا إلهي .. دعهم يقولون لي هذا السر بسرعة؛ فقد تعبت بما فيه الكفاية.
* * *
وقت الاستيقاظ
هناك حفل زواج, وللآسف أنا مدعو إليه, الكل يبارك للعريس, الكل يتحدث, وطبعا لا أحد يهمه أن يَسمع, في الواقع لا أحد يهمه أن يُسمع أيضا, هذه فناجيل القهوة تدور بين المدعوين, وتلك أصوات الدفوف قادمة من عند النساء, بصراحة ليتني أستطيع الذهاب هناك, فعلاً يبدو أنهم يستمتعون بوقتهم, وذلك على نقيضنا تماما, ما أجمل رائحة البخور هذه! .. انظر لثياب المدعوين!؛ مكوية بشدة لدرجة تبدو أنها سوف تنكسر لو قام أحدهم بحركة مفاجئة وغير محسوبة ..
في الحقيقة أنه دائما في أثناء حفلات الزواج, وربما لأنها تبدو لي قمة اليقظة, يطوف بذهني سؤال صغير: “ماذا لو استيقظت الآن, وكان كل هذا حلم؟” .. ولا أعني بـ “كل هذا” مجرد حفل الزواج, بل أعني كل شيء, حتى أنا أصير شخصاً آخر, لي اسم آخر, وعائلة أخرى, أعيش في مكان آخر, أتحدث لغة مختلفة, وربما أيضا في زمن مختلف ..
وتكون كل حياتي الآن مجرد حلم عابر لذلك الشخص الآخر, أو ربما يكون الوضع أجمل وينتهي الحبر .. ينتهي الحبر الذي يكتب به أديبا روسيا مريضا بالعبقرية المزمنة روايتة الطويلة, وتكون نهاية القصة أن شخصية الرواية – التي هي أنا – تكتشف أنها جزأً من الرواية خلال حفل زواج ممل .. كل هذا يصير مجرد رواية روسية .. ويا سلام لو تكون من روايات القرن التاسع عشر!! .. أتراه هو هذا السر الذي يخفونه عني ؟ ..
أعرف أن الفكرة ليست أصيلة تماماً, وقد طرحت بأشكال مختلفة عن هذا الشكل في أفلام وروايات عدة, لكن ما أتكلم عنه ليس فكرة, بل هو شعور, ولا نستطيع أن نتجاهل شعوراً ما, لمجرد أنه ليس أصيلاً ..
* * *
مهمة يومية غير مستعجلة
المهام اليومية تتغير دوما, لكن تظل هناك بعض الأعمال التي تتكرر, ومن كثرة تكرارها, تصبح جزء منا, ويصبح الرابط بيننا وبينها أكبر من مجرد التزام أو عادة .. يصبح قضية وجود .. طبعا ليس بالضرورة أن تكون أعمال ضخمة جبارة, بقدر ما يمكن أن تكون أعمال بسيطة وعفوية جدا. مثل شرب الشاي صباحاً, قراءة الجرائد, تمزيق صفحة جديدة من الرزنامة, شراء علبتين سجائر, قهوة المغرب, تنظيف الأسنان, إعادة ضبط الساعة قبل النوم, يبدو لي أحيانا أن الحياة هي عبارة عن مهام يومية مكررة غير مستعجلة.
على كل حال تبقى المهمة الأكثر تكرارا وثبوتا في جدول أعمالي اليومية هي مهمة “فكرة الهروب المطلق”.. “الهروب التام”.. “الهروب ومن ثم نقطة نهاية السطر”.. تساورني هذه الفكرة بتعبيراتها المختلفة بشكل دائم ..
ففي الصباح أتمنى أن يظهر لي أرنب “أليس” وهو يجري بشكل مضحك بينما هو ينظر لساعته وهو يصرخ: ” Oh dear! Oh dear! I shall be late!’” ..
في الظهر انتظر أن تظلم شاشة الحاسب ثم تظهر حروف خضراء بشكل متتالي – وكأن شخصا يكتبها – لتكّون جملة: “THE MATRIX HAS YOU” ..
في العصر أحدق في وجوه الناس من حولي, علّي أجد أحد رجال “الدعم الفني للحياة”, على غرار فيلم “Vanilla sky“ ..
في المغرب أتحرى أن يدس لي شخص مجهول ظرف من تحت باب غرفتي, لأفتحه وأجد تذكرة سفر, ثم أفتح تذكر السفر وأجد ( جهة السفر: أطلنطس ) ..
وفي العشاء أبدء التفكير بشكل جدي, عندها لا أرى أمامي سوى حلين, الأول: أن أصبح فلاحاً في مقاطعة بعيدة في نيوزلندا, والآخر: أن أصبح نادلاً في حانة صغيرة على خط سفر جميل في النرويج .. وكلاهما – كما هو اضح – أكثر سحراً من بعض ..
ربما تسألني..
“لمَ كل هذا؟” ..
بصراحة لأنه :
“للآسف؛ لم يعد هناك أي شيء جميل مبهج يمكن أن أتخيل حدوثه حتى قبل النوم” ..
ألا ترى معي أن هذا سبباً مقنعاً؟.
ميليمتر قبل خط النهاية
أعذريني يا مشهداً فردوسياً جليل؛ فقد قلت: “إن جمال المرأة ليس سبباً وجيهاً لعشقها”, أعذريني فأنا لم أكن قد رأيتكِ حينها
