.. لكنها تحب الأزهار كثيراً ..
مازالت الشابة الصغيرة نائمة على فراشها الدافئ الذي يشبه كفيها كثيرا, بريئة, طيبة, تخاف قلبها, وتخاف الظلام, وتضئ مصباحا صغيرا بجانب فراشها قبل أن تنام, كما أفعل أنا بالضبط مع ذكراها ..
.. ليتني أكون زهرة ..
كانت تحلم بمكان لا نهائي تغطيه الأزهار, لا شمس فيه ولكنه ممتلئ بنور الصباح, ولم يكن في ذلك المكان إلا شجرة واحدة, وقد جلست تحتها تعزف على غيتارها الذي تحبه بجنون, وبجانبها قططها الصغيرة تلعب, ودميتها “الدب” الذي يبتسم, وكانت تغني ..
” ربما تسكعت هنا أكثر من اللازم
كلانا يعرف أن هناك مكان أخر يجب أن أذهب إليه
ولكن لدي شيء أريد أن أقوله لك
ولم أعتقد أني سوف أفعل
ولكني أظن أنك يجب أن تعرف
أنا أحبك
أحبك بصدق
ولست مضطرا أن تجيب
لأني أرى الإجابة في عينيك … ” (1)
أثناء غنائها - وكما يحدث في الأحلام تماماً – اختفى الدب من الحلم دون أن تشعر, واستمرت هي تغني بنشوة وسعادة ولهفة, وبينما هي كذلك, انتبهت أن أحد قططها ركض بعيدا عنها, رمت الغيتار ولحقت به, كان القط يجري بسرعة, وكانت تجري خلفه, لا تستطيع اللحاق به, لكنها تواصل الجري, تجد صعوبة كبيرة في التنفس, لكن لا وقت لديها لاسترداد النفس, ومن دون أن تشعر بدأت الدنيا حولها تتحول إلى ظلام, ذلك الظلام الذي تكرهه, ولكنها ظلت تجري, والقط مازال بعيدا, وفجأة توقف القط أمام حفرة سحيقة لم يستطع تجاوزها, جرت إليه, وأمسكت به, وحضنته بقوه, وقالت له وكأنه يفهمها:”إياك أن تعودها مرة أخرى أيها الشقي “, وقبل أن تعود أدراجها نظرت بغتة إلى الحفرة التي كانت أمامها, تجمّدت في مكانها من هول ما رأت, كان هناك حصان أبيض خارا على الأرض لا قدرة له على الحراك وكأنه يحتضر, وكان ينظر إليها ..
وبجانبه مصباح ..
مصباح لم يكن الغرض منه إنارة الظلمة ..
قررت أن تساعده؛ بحثت عن موطئ قدم, بدأت بالنزول على مهل, تتشبث بالحافة .. لكن توازنها اختل فجأة, وسقطت بقوة نحو الأسفل ..
نهضت من نومها فزعه, وشرعت تبكي بحرقة, نزلت من سريرها لتضيء كل أنوار الغرفة, وهي ما تزال تبكي وتحاول أن تكفكف دموعها, جلست على كرسيها وبدأت تنظر لقططها النائمة وغيتارها المسند على الجدار, حتى سكنت , وبدأت تتسأل ” من عساه يكون هذا الحصان؟” ..
مرت السنون, نسيت الشابة حلمها العابر كما نسيتني, ولكنها مازالت تخاف قلبها والظلام, وأنا مازلت أنام في الظلام وأوقد ذكراها بجانبي, كنت أحسب أني “الحصان”, ولكني الآن اكتشفت أني “الدب” الذي كان يبتسم في حلمها واختفى بينما هي تغني ولم تشعر به ..
هي تعيش هنا, ولكن مسقط رأسها هو ذلك المكان الذي تصنع فيه الأحلام, فكان من الطبيعي أن اختفي من حياتها, و لا تشعر هي بذلك, بينما هي تغني ..
نستني, ولكنها تحب الأزهار, ليتني أكون زهرة, تنبت بجانب سريرها, عند مصباحها, في الظلام..
(1) : Olivia Newton John - I Honestly Love You
