الموت على السحابة الأخيرة

3 فبراير 2006 - مصنف في: مقالات

شريحة من البداية

أن تحلم يعني أن تبحث عن مكان مناسب تموت عنده

* * *

في إحدى حلقات برنامج الأطفال الشهير”شارع السمسم” (SESAME STREET) كانت إحدى الشخصيات – أعتقد أنه كان قروفر - يريد الذهاب إلى ” هناك ” ..

سأل قروفر أحد الأشخاص: “أين أنا الآن؟”.

فأجابه: “أنت هنا”.

فرد قروفر: “لا , لا .. أريد أن أصل إلى هناك”.

التفت قروفر يبحث عن الــ “هناك” ,حتى وجد ما ظن أنه غايته ,ثم انطلق يجري إليه ..

وعندما وصل, توقف وسأل أحد الأشخاص: “أين أنا؟”.

فقال له : “أنت هنا”.

ويتكرر المشهد عدة مرات .. بحث, جري, بحث, جري.. حتى ينتهي المشهد - بنهاية بريئة - بأن يعرف هومر الفرق بين كلمتي ” هنا ” و ” هناك “.

حسنا, الدنيا ناقصة - والذكي فقط هو من يعرف أن نقصها جزء من تمامها - ومن نقصها الموت والأمراض والكوارث الطبيعية, وأيضا أن الأحلام السامية ذات المعنى تكون دائما “هناك”, حقيقة مؤلمه لكنها صحيحة, لا معنى أن يتحقق الحلم, مثل لا معنى أن “هناك” يكون “هنا”. الأحلام تستلزم جريا تماما مثل الــ ” هناك ” , والأحلام لا نصل إليها أبدا, تماما مثل الــ “هناك ” أيضاً.. الأحلام التي تتحقق, هي فقط الأحلام التافهة.

للتأكد من ذلك, يجدر بنا تصور حركة الأحلام, وهي حركة مستقيمة, ورغم احترامي الشديد لكل الفلاسفة الذين رأوا في الدائرة الشكل الكامل, فالأحلام حركتها مستقيمة, لا يهم إن كان في الخط تعرجات أو انحناءات, المهم أن المحصلة أنه خط مستقيم, أي أننا نستطيع رسم خط مستقيم يصل بين نقطة النهاية ونقطة البداية, فليس هناك معنى أن تكون حركة الأحلام دائرية أو حتى أي شكل أخر, لأن ذلك يستلزم أن هناك لحظتين بينهما فارق زمني معين كنا عندها عند نفس النقطة, لأن لو كانت حركة الأحلام ترسم شكلا ما, فهذا يعني أننا سوف نبدأ عند نقطة معينة وبعد فتره معينة سنعود لنفس النقطة لنغلق الشكل, وهذه هي الأحلام التافهة التي تتم, وتنتهي, أو تتحقق, والتي تعود دائما لنفس النقطة التي ابتدأت منها, مثل من يتمنى مليون دولار, وعندما يحصل عليها يتمنى عشرة ملايين دولار, ومن ثم مئة, وهكذا دواليك, في كل مرة يعود لنقطة تمني المال, وكأنه لم يحقق أي شيء.

أحلامنا كالأرقام, كلها نعرف بدايتها, وكلها لا نعرف نهايتها, وكلها عرفنها في سن مبكرة, ولكن الفرق الوحيد أننا نرمز لنهاية الأرقام برسم رقم ثمانية – الإنجليزية - بشكل أفقي , ونرمز لنهاية الأحلام بــ “الموت”, الأحلام لا تموت لكن أخر نقطة فيها هي موت الذات التي كانت تطاردها, لذلك يكون الموت رمزا لها, أحلامنا كــ ” المعرفة ” سؤال يجر إجابة, ومن ثم إجابة تجر سؤال أخر, وهكذا, و لا يمكن أن يقول شخص أنه ” حقق المعرفة “, بل أنه يظل يجري من حقل لآخر, ومن صفحة لأخرى, ومن سطر لآخر, وهكذا الأحلام, حلم يجر حلم, ومن ثم يجر الحلم حلم آخر, و لا يتحقق أي حلم, بل إنه يسمو, ويظل بعيدا, يظل “هناك” في مكان آخر, مكان ليس “هنا”, ونحن نجري.

كل الأماني, كل الأحلام, كل الآمال, هي حلم واحد, وهو غاية وجود الإنسان, هو العلاقة الجوهرية بين الإنسان وذاته, هو الطريقة التي ينظر بها المرء لكل ما حوله, هو الطريقة التي ينظر بها المرء حتى لنفسه التي بين جنابته, فالرسام ينظر للحياة كلوحة زيتية, والرياضيون يؤمنون بأن كل شيء يُعبّر عنه بالأرقام, والفيزيائيون يدعون أن كل شيء خلق من كواركات.

الحلم مثل “الحب”, فيض من نور الخالق, عندما يتملكك, فهو يسيطر على وعيك, يسيطر على إدراكك, يشملك, ترى الدنيا من خلاله, وهو جزء من هذا الكون الناقص الغير التام, فكيف يتم؟, أو يتحقق؟ , الحلم مثل “الحب”, لا يمكن أن يكون فيه مكانين لغايتين, و لا يمكن أن يقول شخص ما “لقد حققت الحب اليوم, غداً أبحث عن شخص آخر لأحقق معه حب أخر أسمى” بل إنه كل يوم ينتقل من سحابة إلى سحابة أعلى محاولا أن يموت عند أعلى سحابة, كل أحلامك وغايتك وأهدافك إذا كانت من هذا المنطلق هي حلم واحد, بل أنني لن أبالغ إذا قلت أن كل الأحلام هي حلم واحد, هو (تحقيق الذات).

ميليمتر قبل خط النهاية

روحك, قلبك, جسدك, واسمك الرباعي .. ما تحتاجه أي امرأة لتكون كاملة



أكتب تعليقاً