إلهام

23 ديسمبر 2005 - مصنف في: مقالات

من السهل نسبياً الحديث عن أصل الكون, بل ومن السهل – نسبياً أيضاً - الحديث عن أول لحظة في عمر الكون, ووصف حالته الغريبة حينذاك, وكيف أن المادة والزمان والمكان لم يكن لهم أي معنى قبل تلك اللحظة, وكيف أننا لا نستطيع أن نسأل “متى خلق الكون؟”, أو “أين خلق؟”, لأن “متى” و “أين” ظهرتا في تلك اللحظة تحديداً, بل إننا نكابر برغم من فهمنا أن تلك اللحظة “شاذة” وغريبة جداً, وأن أي نوع من أنواع المعرفة الإنسانية – غير الغيبية – لا يمكن تطبيقه عليها, نكابر مع كل ذلك ونحاول حتى تطبيق الفيزياء الكمومية عليها, متحججين أن الكون كله كان حينها أصغر من ذرة, ونستطيع أن نتعامل معه كما نتعامل الآن مع أي ذرة ..

كل ذلك لم يكن صعباً؛ فقط احتاج أجيالاً تخلف أجيالاً, واحتاج بضعة آلاف من السنين, وخرافات تهدم, وصراعات تقام؛ وكثيراً جداَ من الشك والريبة والقلق والتوتر والتجرد, وبضعة من عقول فضائية ..

لم يكن صعباًً..

ما كان فعلاً صعب هو: “كيف نعرف كل هذا؟”..

بشكل عام ينقسم التفكير العلمي إلى قسمين:

1 – استنتاجي .Deduction

2- استقرائي .Inductive

“التفكير الاستنتاجي” يتبع الخطوات المنطقية ليصل للمعرفة من خلال مقدمات معطاة, أي أنه يستقبل المعطيات ومن ثم يعالجها – مستخدما المنطق – ليصل للاستنتاجات, مثلاً: هناك مقدمتين, الأولى:”كل الققط تلاحق الفئران”, والثانية: “توم قط”؛ بذلك يكون الاستنتاج “توم يلاحق الفئران”.

أما بالنسبة “للتفكير الاستقرائي” فهو يلاحظ الأحداث المتكررة ويربطها بعلاقات ويفترض أنها سوف تتكرر, ويتوصل لمعرفة جديدة بناء على ملاحظته الاستقرائية؛ مثلاً: “الشمس سوف تظهر غداً”. هذا الاستنتاج لا يعتمد على المنطق, لكنه يعتمد على ملاحظتنا للشمس – استقرائنا لها – واعتقادنا أن ما لحظناه صحيح وأنه سوف يتكرر.

لكننا نعرف أن الاستنتاج المنطقي, أو ما أسميناه:” التفكير الاستنتاجي”, لا يصل بنا إلى معلومة جديدة كلياً في النهاية, بقدر ما هو يبرز المعلومات المعطاة بشكل أوضح, أي أن المعلومة المستنتجة موجودة مسبقاً في المقدمات ولكنا احتجنا الاستنتاج لتوضيحها, و”التفكير الاستقرائي” أيضاً لا يحمل معلومة جديدة, فنحن نلاحظ حوادث متكررة, ونبني عليها تيقناتنا؛ وهنا أيضا لا جديد.

إذاً ما هو ذلك العنصر الخفي الذي يكسبنا المعرفة .. المعرفة الجديدة تماماً ..

حسناً, لنوضح الصورة أكثر ..

عندما يفكر العالم بأي قضية علمية, يكون أمامه عدد كبير من الاحتمالات لتفسيرها, يختار احد الاحتمالات ثم يثبت انه صحيح؛ وكأنه مفتش جنائي يحقق في جريمة وأمامه عشرة آلاف متهم, يختار أحدهم بطريقة ما, ثم يثبت أنه الجاني؛ لاحظ أن المفتش عندما اختار المتهم لم يكن يعلم حقيقة أنه الجاني, لكنه استطاع أن يثبت أنه كذلك.

هذه صورة تقريبية لما يقوم به العالم, لكن كيف يختار العالم تفسيراً ما على وجه الشك وعدم التيقن ومن ثم يستطيع إثبات صحته؟, كيف يختار متهماً من بين كل هذه الجموع؟.

هذا هو ما يسمى “الإلهام”, أحد أهم منافذ المعرفة الجديدة لنا ..

لكن ما هو “الإلهام”؟ ..

كما قلت سابقا؛ من السهل – نسباً – الحديث عن أصل الكون, بل ومن السهل – نسبياً أيضاً – الحديث عن أول لحظة في عمر الكون ووصف حالته الغريبة حينذاك .. لكن من الصعب جداً الحديث عن”الإلهام”, بل ومن الصعب بالفعل الحديث عن علاقته بـ “الحب”, وهل الحب هو العنصر الأكثر جوهرية في مفهوم “الإلهام”؟, أم أن “الحب” ليس بعضاً من “الإلهام”, ولكن “الإلهام” هو أحد تطبيقات “الحب”؛ أي أن “الإلهام” عبارة عن مجموعة جزئية من “الحب”.

لكن لحظة !! .. ما دخل “الحب” في الموضوع؟ ..

حسناً, أياً كان جهلنا في موضوع “الإلهام”, فنحن نستطيع على الأقل أن نجزم أن “الإلهام” لا يتأتى لنا إلا في المواضيع والأشياء التي نحبها ..

على كل حال, تظل إجابة هذا السؤال – ما هو الإلهام – صعبة, وذلك لسبب بسيط, وهو أن إجابته تحتاج إلهاماً, وفي نفس الوقت نحن نبحث عن معنى الإلهام؛ وهذا يسبب تضارباَ واضحاً.

تخيل أنك تريد أن تفهم كيف ينام الإنسان, تذهب وتستلقي على الفراش, وتبدأ في محاولة أن تلاحظ نفسك كيف سوف تنام, المشكلة أنك لن تنام حينها, وهذا بالضبط ما يحدث مع موضوع الإلهام؛ نتربص بالإلهام, لكن عندها لا يأتي الإلهام؛ ونظل لا نفهم.

ميليمتر فبل خط النهاية

لمَ عندما أتخيل عالماً ملائكياً كاملاً براقاً, أتخيلكِ معي هناك كما أنتِ هنا



أكتب تعليقاً