سارة ونيتشه ورجل أخر

11 نوفمبر 2005 - مصنف في: قصص

كان كاتب العمود اليومي يكتب مقالته في أحد المطاعم الفاخرة, وعلى بعد مترين منه كان يجلس رجل وامرأة, كان الكاتب, وبسبب تجربة سابقة, ساخطاً على كل نساء الأرض, وكان يكتب ..

“إن فريدريك نيتشه, وبالرغم من طول قامته الفلسفية, لشخص أخرق بالفعل, إنه يعتقد أن ما تفهمه المرأة بالنسبة للحب, ليس مجرد التفاني, بل إنه هبة كليه منها لروحها وجسدها من دون أي شرط …”

توقف عن الكتابة عندما سمع المرأة التي في الطاولة المجاورة تقول: “إنسى الأمر, فهو لا يهم الآن, أنا أحبك وهذا يكفيني” ..

قال في نفسه: “إنسى!, لا يهم!, يكفيني!, يبدو أنها تتنازل عن شيء ما!, مُضحكة سذاجة هذا الرجل, إنها تخدعه؛ لأنه عن ماذا يمكن أن تتنازل هذا المرأة؟!, فهذا الرجل وسيم إلى درجة فتنة النساء, بل إلى درجة إغاظة الرجال, وهذا مطعم فاخر, مما يدل على اقتداره ماديا, بالإضافة إلا أنه لا يحمل أي أعاقة من أي نوع .. عن ماذا سوف تتنازل؟!”..

تجاهلهما وواصل كتابته ..

“إن نيتشه قد غَرق في وحل من السفه عندما قال: إن غياب الشروط في حب المرأة هو ما يجعل من حب المرأة شيئا أقرب إلى الأيمان, بل إنه يجعلها امرأة أكثر كمالاً …”

توقف قليلا عن الكتابة لينظر للمرأة وقد أسندت وجهها على راحتي يديها وهي تنظر في عيني رجلها بينما هو يحدثها, وقال في نفسه: “لا, إنها لا تتنازل, ربما هي تسامحه, ربما نسي عيد زواجهما, أو عيد ميلادها, أو ربما تحرش بسكرتيرته, أو شيء من هذا القبيل” ..

تأفف قليلا, وزفر, ثم عاد للكتابة ..

“وبلغ هذا الفيلسوف من الغباء أن أعتقد أن شغف المرأة وتخليها الكامل عن كل حقوقها يفترض أن نفس هذا الشعور لا يوجد عند الطرف الآخر, أي تضحية مجنونه هذه ؟!, أي عمى أصاب نيتشه؟!, ألا ينزل قليلا من برجه العاجي ليرى الحياة على حقيقتها, ليرى أن تخلي الأنثى – إن كان موجودا - ليس سوى عجز منها لفرض شروطها …”

لم يستطع مواصلة الكتابة, فقد تملكته رغبة عارمة في معرفة ما يجري بين الرجل والمرأة, هز جرس صغير على الطاولة, ليحضر نادل ثرثار, أشار له أن أحني رأسك, قال له وهو يشير بعينيه: “من ذاك الرجل؟”, قال النادل: “إنه السيد يعقوب, شخص ثري جدا, ومدير لعدة شركات, وله نفوذ واسع”, ابتسم الكاتب وقال: ” يبدو أنه, صيد جيد, بالنسبة للآنسة الصغيرة”, قال النادل: “آه, الآنسة سارة, كم هي فاتنة!, لكن لا تقلق ما زلت فرصتك سانحة يا سيدي”, قال الكاتب: “ماذا تعني؟”, قال النادل: “منذ أسبوع وهم يأتون إلى هنا, يوميا, في ذكري لقاءهم الأول”, قال الكاتب: “يوميا يحيون ذكرى لقاءهم الأول!, ماذا يفترض أن يعني هذا؟”, قال النادل: “إنهم يبحثون عن نهاية مناسبة, فالسيد يعقوب لن يعيش أكثر من ثلاثة أيام, فقد أصيب بمرض عضال, وأمهله الأطباء عشرة أيام على الأكثر”..

صُعق الكاتب, نظر إلى سارة وهي تضع الطعام في فم يعقوب الذي كان يطلب منها, وهو يضحك, أن تتوقف عن ذلك, قال في نفسه وكأن سارة تسمعه: “أيتها الصغيرة!, تودعينه عشر مرات!, وتحرصين أن يأكل جيدا في كل مرة!, برغم علمك أنه سوف يكون بعد ثلاثة أيام بعيد عنك, بعيدا عنك أكثر من اللازم, لما تفعلين هذا؟!”, تاه الكاتب قليلا في صدمته وبدأ يفكر قائلا في نفسه: “ربما كان يعقوب يسألك نفس سؤالي عندما قلتي له .. أنسى الأمر, فهو لا يهم الآن, أنا أحبك وهذا يكفيني”..

بعد ذلك بهنيهة التفتت سارة بشكل عفوي, لتشاهد الكاتب يكتب شيء ما على ورقة صغيرة, تعرفت الكاتب, فهو يكتب في جريدة مشهورة, لكنها لم تكن تحب ما يكتب, لذلك لم تعبأ بوجوده ..

بعد دقائق قليلة طلب يعقوب الحساب, قدم له النادل دفترا فاخرا, فتح الدفتر ليجد الفاتورة وليجد بجانبها ورقة صغيرة كتب عليها: “حبها شيء أقرب للإيمان, حبها يجعلها امرأة أكثر كمالاً؛ لقد كان نيتشه على حق!!”.

ميليمتر قبل خط النهاية

غرفتي, المكتبة التراثية, كوفي تايم, إستاد الملك فهد, الكلية, ملحق عبدالعزيز للبلوت؛ لو سقط الكون كله لأسفل, وظلت هذه الأماكن معلقة في السماء, فلن أعرف بذلك إلا من صحف الغد.



أكتب تعليقاً