“كون” في حجم قبضة يدها
14 أكتوبر 2005 - مصنف في: قصصفي مكان ما بعيد عن هاهنا, وفي كون آخر, كون بعيد إلى درجة أن الضوء يهرم ويموت قبل أن يصل إليه, كان هناك طفلة صغيرة, طفلة تشبه الأطفال الذين نراهم في عالمنا هذا, لكن مع فارق طفيف واحد: لم تكن هذه الطفلة تملك دمية, لم يكن لديها عروس تمشط شعرها وتقيم معها حفل شاي مصغر, كان الكون الذي تعيش فيه هذه الطفلة فارغ, كان عبارة عن مساحة كبيرة فارغة سوداء لا نهائية, وكان في الأعلى نور بلا مصدر; فقط كمية مبعثرة من الضوء في الأعلى كأنها غيوم ملبدة, وبالرغم من أن لا شيء سوى هذه الطفلة في ذلك الكون لكنها لم تكن وحيده; لأن الوحدة في النهاية ليست إلا شعور, وهي لم تكن تشعر بشيء سوى الحب, الحب المطلق, الحب الخالص, الحب ولا شيء آخر معه.
لكن لم يكن عندها أي شيء لتحبه, فعالمها فارغ؛ لذلك كانت تحب النور الساطع فوقها, كانت تقفز أحيانا في محاولة للوصول إليه لتضمه لكنها تسقط ولا تصل إليه فتبكي, ولا أحد يكفكف دموعها, تقرر بعدها أنها سوف تكره النور, وأنها سوف تهجره وتذهب بعيدا عنه, تغطي عينيها بيديها الصغيرتين وتجري, تواصل الجري حتى تتعب, تفتح عينيها وتنظر إلى فوق, فتجد أن النور مازال فوقها, تبتسم؛ ظنا منها أن النور قد لحق بها, فتقرر مسامحته, ثم تنظر له بصمت يتقاطر عتباً, صمت ما يلبث أن يتحول لإحساس ينزف براءة وطهراً وسمواً, تحاول أن تقول شيء ما له, لكنها لا تجيد الكلام, لذلك تعمد أن تحس فقط, وتأمل أن يتعرف النور إحساسها.
وفي نفس تلك اللحظة, وفي عالمنا القريب هذا, وفي مكان ما حولنا, وفي قلب فتاة شابة طاهرة حيث يوجد هناك كون آخر, كون بعيد لدرجة أن الضوء يهرم ويموت قبل أن يصل إليه, كون لا يوجد فيه سوى طفلة صغيرة تحب نوراً ساطعاً في السماء, في نفس تلك اللحظة تحاول هذه الفتاة الشابة أن تقول شيء ما, لكنها لا تستطيع أن تقوله, لذلك تعمد أن تحس فقط وتأمل أن يعرف الآخر إحساسها.
تحس فقط .. لكنها تملئ الكون قصائد ولوحات .. تحس فقط .. لكنها تدلق الألوان على المجرات .. تحس فقط .. فيعرف الإنسان الموسيقى والرقص .. تحس فقط .. فتقام المسارح وتكتب الملاحم .. تحس فقط .. فيسافر الشعراء والرسامون والنحاتون وحتى الفلاسفة والزهاد إلى أخر جزيرة في بحر الظلمات بحثا عنها .. تحس فقط .. فتؤلف السمفونيات .. تحس فقط .. فترسم خريطة العالم من جديد .. تحس فقط .. فيعرف العلماء لماذا نحت الإنسان الأول على الكهوف .. تحس فقط .. فيعرف العلماء لماذا يجب أن يذهبوا للقمر ..
تحس فقط .. فتندفع عجلة الحضارة كلها إلى الأمام ..
تثيرالفتاة الشابة كل زوبعة الفوضى هذه والاضطراب والصراع في العالم بينما هي تنسق أنية الزهور في أول الصباح بكل هدوء; فقط لأن داخل قلبها الصغير الذي لا يتعدى حجم قبضة يدها كون شاسع لا شيء فيه سوى طفلة صغيرة لا تدعو الله إلا في شيئين: أن تضم الضوء, وأن يرزقها عروس صغيرة تمشط شعرها وتقيم معها حفل شاي مصغر.
ميليمتر قبل خط النهاية
عبادة الكون الصمت وسجادته الظلام
