شخصان بالأعلى بنتظارك
11 أغسطس 2005 - مصنف في: مقالاتفي داخل كل إنسان فضاء فسيح يعج بما يستحثنا على الحياة, فهو ملآن بالأماني والأفكار والمشاعر والغرائز والقيم والذكريات والطموحات والمعاني والحاجات, والأهم من كل ذلك فهو ممتلئ بالتناقضات والاختلافات, وكلها تتفاعل لتحدث في الإنسان فعل “الحياة”.
الإنسان “يفكر” لأن له عقل, و”يشعر” لأن له فؤاد, وتداهمه الغرائز لأن له جسد, ويحتاج لأن له نفس, و”يتذكر” لأنه عاش, و”يتمنى” لأنه يظن أنه سوف يظل عائشا, ويجد المعاني لأنه حي, و”يقيّم” – يعطي قيم - لأنه يعتقد بشيء, وغالباً ما يكون ديناً, ويتناقض بسبب هذا كله.
تناقضات الإنسان واختلافاته تؤدي إلى “حيره” تكون هي النتيجة النهائية لكل ما سبقها, وفي نهاية كل عمليات وجود الإنسان يجد الإنسان نفسه أمام سطر لا يفهمه, سطر واحد ربما يكون هو البداية فقط ..
أحياناً نجد شخص يؤمن بشيء ولا يفعله, وشخصاً أخر يحب شيء ولا يستطيع أن يفعله, وشخص لا يعرف كيف يكون سعيدا, وشخص يخاف حتى الحب, وشخص يحب ولا يستطيع أن يصّرح, وشخص يصّرح ولا يستطيع أن يحب .. وكلهم محتارون ..
وإزاء هذه الحيرة, يبرز داخل الإنسان شخصيتان – منبوذتان عادة من المجتمع – لا تستطيع أن تجابه هذه الحيرة فحسب, بل إنها تستطيع الإجابة عن معظم هذه الأسئلة, وتستطيع التعبير عن هذه الإجابات بطرق مختلفة, بل وتستطيع أن تصنع من هذا كله بصمه لحياة الإنسان, ولن نبالغ إذا قلنا إنها تستطيع إعادة تشكيل الحياة ونقل البشرية خطوة كبيرة للأمام, تحوّل هذه الشخصيتان حيرة الإنسان إلى أشياء عظيمة, أشياء تكون بدايتها الانقلاب, بدايتها الثورة, بدايتها وعي جديد يصنعه الإنسان كي يفهم به الناس الحياة من حولهم..
شخصية الفنان, وشخصية الفيلسوف ..
في داخل كل شخص فنان يعبر عن حياته ويحفر لها أبعادا درامية مذهله, وفيلسوف يبحث عن إجابات ليصنع فكراً يكون مادة خام لذلك الفنان..
من أنت ؟ .. أنت الفنان والفيلسوف الذي بداخلك, أنت الإجابات التي تجدها والتي تبحث عنها, أنت التعابير التي تصنعها والتعابير التي تهيم بها, ولأنك تقرأ هذه السطور فأنا أعقد عليك أمال كبيرة, أنت لم تظلم هاتين الشخصيتين, أنت ربما تجرحهما بين حين وحين, أنت لم تصفدهما ببعض وترمى بهم في زنزانة مظلمة تحت الأرض, وصدقني في كل مرة تعطيهم ثقة أكبر سوف يذهل الجميع – بمن فيهم أنت – بما يستطيعون فعله, فقط تجاهل المجتمع, تجاهل الحضارة الزائفة, تجاهل كل المغفلين, وانظر إلى أعلى سوف تجدهما ينتظرانك, وثق أن المجتمع ينظر إلى ما ينظر إليه الفيلسوف والفنان ولكنه أبدا لن يرى ما يرون, ثق أن المغفل يصغي لما يصغي إليه الفيلسوف والفنان لكنه أبدا لن يسمع ما يسمعون ..
فقط ثق بذلك.
