في حضرة الــ ” آن “
10 أغسطس 2005 - مصنف في: مقالاتيقال أن لغة هنود أمريكا من قبائل الهوبي Hopi تفتقر إلى الصيغ الزمنية التي تستخدم للدلالة على الماضي والمستقبل, ولذا فهم يعيشون في حاضر لغوي دائم, حتى الزمن أصبح بالنسبة لهم هو ما يحدث عندما يهطل المطر أو ينبت الزرع أو تكبر الماشية..
في الواقع تبدو الفكرة للوهلة الأولى شديدة في الغرابة, لكن إذا كان الهوبيين أسقطوا الماضي والمستقبل, فنحن حقيقة نسقط الحاضر, فوعينا غالبا ما يتركز على التعبير عن الماضي, أو التخطيط للمستقبل, أما الحاضر فهو الحقبة التي نقوم فيها بهذين الشيئين, هذا بالإضافة لتعاملنا مع الواقع بمنطقية صرفه, فالحاضر إما لحظة حزينة نود الهروب منها, أو لحظة سعيدة نود أن تظل للأبد فنتذكر أن هذه اللحظة سوف تزول, فنحزن, فتغدو لحظة حزينة؛ فنود الهروب منها, أو ربما كانت لحظة الحاضر لحظة فاترة, لا هذه ولا تلك, فلا نحفل إن ذهبت أو بقت.
بالرغم من هذا المنطق الصارم, فالأمور قد تنقلب رأسا على عقب إذا نظرنا لها من زاوية أخرى, فاللحظة الحزينة سوف تنجلي شئنا أم أبينا ; لذا من الأفضل أن نقف لحظة تكريم وشكر لهذا الحزن؛ فهو على الأقل سوف يكون مادة أدبية جيدة لنا فيما بعد؛ لأن كل الفنون والآداب تبحث عن الحزن ليكون موضوعا دسما لها, لا أعتقد أنك شاهدت أحدا يقرأ قصة عن شخص يقفز من السعادة, أما بالنسبة للحظة السعيدة, فلا تهتم بزوالها ; لأنها سوف تظل شاخصة أمامك, وفي كل مرة تتذكرها سوف تنتشي بنفس النشوة, بل أنك سوف تزخرف هذه اللحظة فيما بعد لدرجة أنها سوف تغدو أجمل وأعمق من ما كانت, سوف يكون لها أغنية خاصة, ومكان خاص, ورائحة عبقه خاصة, بل سوف تكتشف في كل مرة طريقه أجمل لسردها.
لذلك لا أعتقد أنك سوف تتضرر كثيرا لو جربت أن تصبح هوبيا ولو ليوم واحد على الأقل.
أما بالنسبة للحظة “الفاترة” سوف أتركها لك ..
