الكوميديا البشرية
9 مايو 2007 - مصنف في: مقالاتلطالما راودتني رغبة عارمة بان أكون كاتب مواد كوميدية؛ سواء كانت مسرحيات, مسلسلات, قصص, عواميد صحفيه .. وإن كنت أحب أن أتخيل ما سوف اكتبه يُلقى على أشخاص في مطعم بسيط من قِبل الممثل Robert Knepper.
لدي اعتقاد قوي بأن الكتابة الكوميدية في جوهرها هي أقرب للعلوم الطبيعية منها للأدب؛ فجودة الكتابة الكوميدية قابله للقياس, وذاك على عكس كل أصناف الكتابة الأخرى التي يحكمها الذوق, والتي ما يعجب الجمهور فيها لا يعجب النقاد, وما يعجب النقاد لا يعجب الجمهور, لكن في الكوميديا من الممكن, وبكل سهولة, الحكم على كتابتها بأنها جيدة أو لا؛ فالجمهور هو المسطرة؛ إذا ضحك الجمهور فالكتابة جيدة, والعكس بالعكس. الكتابة الكوميدية قابله للقياس والملاحظة تماما مثل تنبؤات أي نظرية علمية, والكتابة هنا تٌرفض أو تُقبل بناء على هذه الملاحظات, أيضا مثل النظريات العلمية.
الكوميدي رجل شجاع, لا أظن أن هناك موقف أكثر إحراجاً من أن تقول نكته ولا يضحك أحد, فالنتيجة هنا, التي لا مهرب منها, أنه شخص سمج, لكن الكوميدي يخاطر بهذا الاحتمال, ولو قيّض لك أن تقود جيشاً, تذكر أن تضع الكوميديين في المقدمة.
توليف المتناقضات هو فن العمل الكوميدي؛ فالكوميدي لا يصنع الفردوس لنا كي نضحك, ولو تأملنا قليلاً في أصل الكوميديا سوف نجد تراجيديا, المأساة هي بداية الضحك, كل النكت تبدأ بمشكلة ما, المواقف المضحكة التي قد ترويها للآخرين كانت وقت حدوثها أوقات صعبة, كل الشخصيات في المسلسلات الكوميدية تواجه مواقف تعيسة, الكوميديا قطع من الجمر داخل الندف.
لو جاءت مجموعة من الكائنات الفضائية للأرض, فإن أول ما سوف نقوم به هو محاولة إيجاد طريقة للتفاهم معهم, بعد ذلك سوف نسألهم عن فهمهم الرياضي للعالم؛ والذي لن يستهلك وقتاً طويلاً؛ لأننا سوف نكتشف انه يطابق فهمنا, بعد ذلك سوف نسألهم عن فهمهم للزمان, والمكان, والمادة, والطاقة, وعن إذا ما كانوا وصلوا لنظرية كل شيء, بعد ذلك سوف نسألهم عن رأيهم في أصل الكون, وحدوده, وعن أصل الحياة وتطورها, وعن أصل الوعي. بعد ذلك سوف نسألهم إن كان قانون مالتوس ( تكاثر السكان بشكل متوالية هندسية مع تكاثر الموارد بشكل متوالية حسابية ) يعمل عندهم بنفس الطريقة, ربما أيضاً نود أن نتأكد حينها إن كان قانون مور ( تضاعف سرعة المعالجات كل أربع وعشرين شهر ) يعمل عندهم أيضاً بنفس الطريقة ( لدي إحساس أن هذا القانون كوني ), بعدها ربما نسألهم عن السياسة, والتاريخ, ومعاييرهم الأخلاقية, والاجتماعية, وربما نسألهم عن ما يعتبرونه حجراً نفيساً, ربما يكون الذهب عندهم تراباً, والتراب عندهم ذهباً, بعد ذلك ربما يأتي دور الأدب, والشعر, والموسيقى, والفن. وفي مرحلة ما, لا أستطيع توقع ترتيبها بالضبط, سوف نسألهم عن أديانهم, وربما بعد فتره, بعدما تهدأ الأمور, نسألهم عن أشهر قصص الحب عندهم, وعن مغامراتهم, ورحلاتهم, وحروبهم, وأساطيرهم, وخرافاتهم, ومن يدري ربما تحدث قصص حب, وقصص زواج, ومعاملات تجارية, واستقدام, ووظائف, وبعثات, بيننا وبين هذه الكائنات الفضائية .. الشيء الأكيد هو .. لن نضحك على نكتهم, ولن يضحكوا على نكتنا؛ هذا بالرغم أن كل منا سوف يقول نكت عن الآخر؛ فكل ما ذُكر ليس كافياً, بل يجب أن يأكل أدمهم من نفس التفاحة التي أكل منها أدمنا, وينزل على نفس الأرض, وأن يعيش نسله نفس التاريخ .. أو العكس .. باختصار: أن يكونوا نحن أو نكون هم .. حتى نفهم نكت بعضنا البعض.
لو شعرت, في لحظة ما, أنك تتمنى الكثير عندما تتمنى أن تكون عالماً, وشجاعاً, وذكياً, وإنساناً بمعنى الكلمة .. تستطيع اختصار كل ذلك وتتمنى أن تكون كوميدياً.
ميليمتر قبل خط النهاية
التفاؤل ليس توقع النتيجة الأفضل بل عدم الاكتراث بها

7 يوليو 2007 في الساعة 1:02 ص
السلام عليكم
سؤال: لك عامود خاص بصحيفه ؟ ان كان ياليت تتكرم بوضع الرابط .. وان ماكان اكيد بيكون
http://raiqah.spaces.live.com
7 يوليو 2007 في الساعة 1:03 ص
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
سررت بوجودك .. في الحقيقة: لا .. ليس لدي عمود صحفي .. برغم من أني أفكر حالياً بنشر مراجعات الكتاب التي اكتبها في مدونة ( ثمانون كتاباً بحثاً عن مخرج )
7 يوليو 2007 في الساعة 1:03 ص
ننتظره اجل يرى النور
7 يوليو 2007 في الساعة 1:05 ص
[الكوميدي رجل شجاع, لا أظن أن هناك موقف أكثر إحراجاً من….]
و لكن أليش الشاعر بنفس الشجاعة؟
فهو رجل يفضح مشاعره، و هي امرأة تفضح مشاعرها، آلامهم.. أحزانهم و الكثير الكثير..
و قد لا يصفق أحد.. قد لا يبكي أحد.. و في بعض البلاد يكفرون..
أليسوا شجعاناً؟
إن أردت الحق، فالكوميدي ليس شجاعا، هو فقط لا يكترث بما يقوله الآخرون..
[توليف المتناقضات هو فن العمل الكوميدي؛ فالكوميدي….]
أشعر بأني قلت لك هذا من قبل، لكن على أي، مرة أخرى:
العقل يضحك لأنه لايستطيع تفسير التسلسل المنطقي للحدث، فيبدو له غريبا عن المنطق و شاذا..
هل الحزن شاذ؟ نعم، لأن الله حين خلق آدم عليه السلام لم يكن حزينا، الحزن ليس أصلا.. لذا، فالحزن شاذ..
و أن نسخر من الألم؟ إنه أمر خطير و مهلك، لأنه يؤدي لقتل الاحساس تجاه… فلا نستيطع أن نحزن.. و لم قد تحرم نفسك من معالجة مثالية؟
[لو شعرت, في لحظة ما, أنك تتمنى الكثير عندما تتمنى ….]
حسنا، لا يمكن أن تكون جادا! لا يمكن، لن أقول أكثر من هذا..
—-
أدعمك جدا فيما يتعلق بنشر مراجعات الكتب،
و لا تجعل الأمر مجانيا!!
لا تصدق هراءهم،
بالتوفيق
7 يوليو 2007 في الساعة 1:06 ص
و لكن أليس الشاعر بنفس الشجاعة؟ ]
في الحقيقة: لا ..
الشاعر والأديب يعتمد على مسألة الذوق؛ لو كتب أحدهم رواية ولم يقراءها أحد فسوق يقول أن الذوق الفني عند الناس قد انحدر ..
لكن الكوميدي لو لم يضحك أحد على نكتته فلا مفر في أنه شخص سمج .. لذا هو أكثر شجاعة منهما.
***
[ أن نسخر من الألم؟ إنه أمر خطير و مهلك، لأنه يؤدي لقتل الاحساس تجاه… فلا نستيطع أن نحزن.. و لم قد تحرم نفسك من معالجة مثالية؟ ]
ربما يكون الضحك على الألم وسيلة معالجة مثالية.
هل يؤدي الضحك على الألم لقتل الإحساس تجاهه؟
في الحقيقة أي تتطرف له نتائج عكسيه؛ فمسرحية ( مدرسة المشاغبين ) كان لها نتائح عكسية؛ فقد حفزت تمرد التلاميذ ( هذا بالرغم من نهايتها المثالية ) لأنها بالغت غي الضحك, هذا بالإضافه أن كل مشاهد عربي شاهدها على الأقل عشر مرات, مما أدى لرسوخها في ذهنه بشكل مبالغ فيه.
لكن من جهة أخرى فقد سمعت ( بشكل شخصي ومن أحاديث مجالس ) أن المسلسل السعودي المحلي ( طاش ما طاش ) كان سبباً قوياً جداً في تغيير بعض الدوائر الحكومية لبعض أساليب عملها بعد ما تندر بهم في حلقاته.
االكوميديا مثل اي شيء اخر تفقد جوهرها عند المبالغة.
***
[ حسنا، لا يمكن أن تكون جادا! لا يمكن، لن أقول أكثر من هذا.. ]
أي عمل إنساني إبداعي ( وهو في المقال هذا الكتابة الكوميدية ) هو من الإنسان للإنسان, ولابد إذا أن يحوي خصائص وميزات الإنسان نفسه.
ما قمت به أنا في هذا المقال هو محاولة إبراز الجوانب الإنسانية في هذا الجانب من الكتابة .. وفي الحقيقة كنت جاداً, ولكن ليس جاداً عابساّ متجهماً, بقدر ماهي جدية خفيفه تناسب فكرة الموضوع.
***
شكراً لك دائماً وابداً لإثرائك الموضوع كعادتك .. (f).
12 نوفمبر 2007 في الساعة 6:33 م
لاادري.. لاشعوريا اليوم أخذت اصابعي في البحث عن سعود العمر عبر محرك البحث google ..
اجد نفسي اتنفس ثقافة راقية تثري عقلي المنفتح!
ربما لاتستطيع معرفة كم انا سعيدة بأني هنا .. قرأت كل مقالاتك التي قرأتها سابقا .. وأعود أحللها تارة اخرى.. (( سعود جننتني بأفكارك!!))
بالله سعود اكمل فقد عشقت التربع هنا
25 يناير 2008 في الساعة 1:09 ص
“فالكوميدي لا يصنع الفردوس لنا كي نضحك, ولو تأملنا قليلاً في أصل الكوميديا سوف نجد تراجيديا, المأساة هي بداية الضحك, كل النكت تبدأ بمشكلة ما”
^ ^
ذلك يعني أنك إن أردت أن تبحث عن أسوأ الأشخاص حظا وأتعسهم عيشا فستكون نتيجة بحثك (الإنسان الكوميدي)-بلاشك- الذي يحسدنا على قدرتنا العجيبة في الضحك ولكن لا ننسى أن قدراته تفوق قدراتنا في التحمل..الكوميدي لم يلجأ إلى الكوميديا إلا بعد إيمانه بأن الضحك مادة ذات مفعول قوي لتحليل البؤس..إذن فالكوميدي شخص تراجيدي بقرارة نفسه..
شكرا لك