تركيبة الحقيقة
2 يناير 2007 - مصنف في: مقالاتأكثر ما يفتنني فيك هو ما لا أعرفه عنك, وأكثر ما يخيفني منك هو ما لا تعرفينه عني ..
دعيني أخبرك شيء, نحن معشر البشر نحب الأكاذيب, نحاول البحث عن الحقيقة, لكن للآسف الحقيقة هي مصدر الإزعاج الأكبر لنا.
فكري في الحقائق المؤلمة التي لا تريدين معرفتها, سوف يموت كل من تحبين, وأنتي سوف تموتين, حتى قطتك الصغيرة سوف تموت, كل هذه حقائق, لكنها تزعجك, لا تريدين التفكير فيها, تخشين حتى من ذكرها, فأنتي تمام مثلنا تزعجك الحقيقة.
عندما يلتقي العاشق بمن عشق, يقززه التفكير بأنه أمام كيس من اللحم والدم والعظام, كيس يقوم بالكثير من عمليات الهضم, يقززه ذلك برغم أنها حقيقة, فهو مثل غيره تزعجه الحقيقة.
حسناً, البشرية اتفقت اتفاقاً غير منطوقاً ولا مكتوباً بخصوص هذا الموضوع, اتفاقاً يضمن لها طريقة مميزة للبحث عن هذه الحقيقة المزعجة, طريقة جذابة وممتعة, الكل يعرفها لكن لا أحد يتحدث عنها, وأنا هنا سوف أخبرك إياها.
في الواقع إن الذي قال أن رحلة الإنسان هي رحلة البحث عن الطعام قد جانب الصواب كثيراً, فهذه الرحلة تليق أكثر بقطيع من الخنازير البرية الجائعة, رحلة الإنسان هي رحلة البحث عن الكذب .. نعم الكذب.. الكذب الذي يوصل للحقيقة .. انتظري قليلاً .. لا تذهبي .. لستُ أبلهاً .. لدي شيء أقوله لك .. أسمعي كلامي حتى النهاية ..
في رأيي أن الغموض هو نصف الجمال, والجمال نصف الحقيقة. لكن ما هو نصف الغموض؟, نصف الغموض هو الخيال, ونصف الخيال هو الأكاذيب.
ربما ترين في هذا الرأي الكثير من التجني على مفهوم الحقيقة, فأنا الآن أقول أن الكذب يشكل واحد تقسيم ستة عشر من الحقيقة, لكن فكري في طريقة تكوين كأس زجاجي فاخر, ربما تجدين انه من الصعوبة بمكان أن تصدقي أن الرمل جزء مهم جداً في تكوين هذا الكأس الشفاف الأنيق, لكنها حقيقة, المسألة سهله, أضداد تكّون بعضها.
ألم يسبق لك أن إجترحتي عملاً شريراً لغاية طيبة؟, الأمر هنا سيان,هل تذكرين رأيك في قصائدي فيك؟, أنت دائماً تكذبين علي وتقولين إن قصائدي فيك تروق لك, وأحياناً تبالغين في إطرائك خصوصاً في المناسبات المميزة, حسناً, كانت كذبة بيضاء منك, لكن سوف أقول لك شيئاً, أنا نفسي لا تعجبني قصائدي, لو كان هناك محاكمات لجرائم الشعر لكان حكمي فيها مؤبد مع الأعمال الشاقة, أنا متأكد أنني الشاعر الوحيد في الدنيا الذي يرفض شعبان عبدالرحيم أن يٌغني له. كانت كذبه منك لغاية طيبة, شر ولّد خير, تماماً مثل الكذب الذي يولد الحقيقة, ربما يجب أن تتذكري هنا القاعدة المنطقية الشهيرة التي يدرسها كل طالب جامعي والتي تقول أن الخطأ قد ينتج عنه الصواب.
ولكي أثبت لك أن الكذب جزء من الحقيقة, ولكي أثبت لك أيضاُ أن رحلتنا كانت رحلة البحث عن الكذب, فكري معي في كمية الأكاذيب التي ابتكرناها في رحلتنا هذه, فكري في كمية الروايات, في القصائد, في كل الأفلام, والأغاني واللوحات, هذا الإرث البشري الفني الأدبي كله لا يتجاوز كونه كذبه, كله أكاذيب, كله لم يحدث, لو كانت الأعمال الأدبية والفنية حدثت لكانت أعمال تاريخية وليست أدبية, وجه الصدق الوحيد فيها أن الفنان كان يريدها أن تحدث بشده, لدرجة أنه صدق بحدوثها, فصنع ما صنع, وكان مجرد تلفيق مرتب.
وبما أننا الآن عند أكاذيب الأدب, يُقال أن تاريخ ميلاد شكسبير المعروف الآن ليس صحيحاً, يٌقال أن تاريخ ميلاده – الثالث والعشرين من أبريل - هو كذبه ملفقه ليتوافق تاريخ ميلاده مع تاريخ عيد القديس جورج ليتناسب مع مقتضيات الثقافة والتاريخ الوطني الإنجليزي, لكن هذا ليس الجزء الأكثر إثارة, هل تعرفين ما يسمى بالــ “بيكونية”- Baconianism”“؟, البيكونية هي نظريه شهيرة مفادها أن كل أعمال شكسبير كاتبها الحقيقي هو فرانسيس بيكون, وقد ذاع صيت هذه النظرية خصوصاً بعد صدور كتاب”قصة الخنزير المتعلم” “The Story of The Learned Pig“, وهذه النظرية لها نظرية أخرى تناهضها مفادها أن كاتب أعمال شكسبير هو إدوارد دي فير الذي كان حاكم لأكسفورد, وهناك أيضاً أسماء كثيرة ترشحت لتكون هي من كتب أعمال شكسبير, القاسم الوحيد بينها هو أنها تٌجمع أن مؤلف هذه الأعمال يملك ذوقاً أرستقراطياً عالياً, وهو ما لا يتوفر لشخصية ريفية متدنية التعليم مثل شكسبير, والأدهى من ذلك هو انه ربما لا يوجد أحد باسم شكسبير, ربما لو كشفنا الضريح الموسوم بـ “جولايموس فيلاس شكسبير” ربما نجد حماراً نافقاً.
كل الأدب – حتى شكسبير ذاته - مجرد تلفيق لصنع أكذوبة تصنع الغموض يصنع الجمال في رحلة البحث عن الحقيقة .. كذبة .. تماماً مثل رأيك في قصائدي.
دعيني أخبرك شيء أخر, ليس الفن والأدب وحده كذبه, حتى الرياضيات كذبة, فتشي في جذور الرياضيات سوف تجدينها قائمة على افتراضات غير مثبته, كل هذا النظام الرياضي مبني على افتراضات غير مثبته, بمعنى أخر مبني على أكاذيب, سوف أذكر لك مثال تعرفينه, هل تذكرين درس الإثبات بالاستقراء الرياضي؟, هذا الدرس يُدرس لكل طلاب الثانوية, أشك في أنك تتذكرين تفاصيل الدرس, طريقة الإثبات كانت عبارة عن ثلاث خطوات, في الخطوة الثانية نكذب على أنفسنا, نعم نكذب على أنفسنا, في الخطوة الثانية نفرض أن جملة ما صحيحة ثم نواصل العمل, نفرضها صحيحة من دون أي سبب, مجرد كذبة أخرى.
كل الرياضيات – حتى طرائق البرهان الصارمة - مجرد تلفيق لصنع أكذوبة تصنع الغموض في رحلة البحث عن الحقيقة .. كذبة .. تماماً مثل رأيك في قصائدي.
حتى الفيزياء مجرد ذكاء متقد لعقول فذة, لكنها في النهاية مجرد كذبة, إن أكثر ما يغيظ أي فيزيائي هو أن نقول أن كل القوانين الفيزيائية ما هي إلا إسقاطات تشبيهيه يقوم بها عقل الإنسان, أي أن عقل الإنسان يفترض وجود القانون فقط ليوجد معنى لما يراه في العالم, وقولنا هذا معناه أن القانون الفيزيائي ملاحظه ذكيه لكنها في النهاية كذبه. طبعاً سوف يثور الفيزيائي ويقول لك أن القوانين الفيزيائية موضوعية وتٌستنج من تجارب معقدة وصارمة وهي بلا أدنى شك صحيحة. حسناً, ضعي تحت كلمة صحيحة خط أحمر عريض وسوف أقول لك قصة قصيرة.
في قديم الزمان كان أرسطو يقول أن الحالة الأساسية للجسم هي السكون, ثم بعد فترة من الزمن جاء نيوتن وقال أن هذا خطأ فالجسم يبقى على حالته من حيث السكون والحركة ما لم تؤثر عليه قوة تغير من حالته, ويضيف نيوتن أن كل ما زادت القوة التي تؤثر على الجسم زادت سرعته, جاء بعد فترة من الزمن اينشتاين وقال أن كلام نيوتن الأخير خطأ فسرعة الضوء ثابتة ولا يمكن تجاوزها أبدا, مما يعني أنك لو أحضرت كل القوى الكونية ودفعت بها أي جسم فأنه لن يصل لسرعة الضوء, جاء بعده نيلز بور ليقول أن اينشتاين على خطأ لأننا نستطيع أن نضع إلكترون في أول الكون وإلكترون في أخر الكون وسوف يؤثران على بعض في نفس اللحظة إذا كانا ينتميان إلى نفس ما يسمى “إطار العمل” بما يعنى أن التأثير بين الإلكترونين تجاوز سرعة الضوء.
في الواقع علم الفيزياء يشبه كثيراُ دعايات مساحيق الغسيل, فأنتِ لا تستطيعين أن تروجي للمسحوق الجديد ما لم تقولي أن المسحوق السابق صار عديم النفع.
كل الفيزياء – حتى نظريات نيوتن واينشتاين وبلانك- مجرد تلفيق لصنع أكذوبة تصنع الغموض في رحلة البحث عن الحقيقة .. كذبة .. تماماً مثل رأيك في قصائدي.
وذات الشيء يُقال عن الفلسفة, لا يوجد أي فيلسوف في الدنيا يعرف من أين جاء الكون, أو ما هو الفن, أو حتى من هو, أو حتى يقول سطراً واحداً لا يرى عشر فلاسفة آخرون أنه خطأ فاحش, حتى نيتشه – أعتى عقلية فلسفية – أٌصيب بالجنون في أخر عمره, ولا أعرف بالضبط أي كتبه المشهورة ألفها قبل هذه الحادثة, لكني أعرف أن له كتاباً ألفه في سنواته الأخيرة عنوانه “شقيقتي وأنا”, أظن أنك الآن تستطيعين معرفة وجهة نظري في هذا الكتاب, حتى الفلسفة يا عزيزتي كذبة أخرى.
كل الفلسفة – حتى نيتشه الداهية - مجرد تلفيق لصنع أكذوبة تصنع الغموض في رحلة البحث عن الحقيقة .. كذبة .. تماماً مثل رأيك في قصائدي.
عزيزتي الأمثلة كثيرة, لو فكرتي لمدة خمس دقائق فقط, سوف تجدين عشرة أمثلة تثبت كلامي, كل الأعمال البشرية كذبة.
تركيبة الحقيقة يا عزيزتي هي: نصفها جمال, ونصف الجمال غموض, ونصف الغموض خيال, ونصف الخيال كذب.
لكن ماذا عن الباقي؟
لو كنت أعرف – أو لدي شك واحد في عشرة أس ناقص مليار أني أعرف - لكنت جننت جنون العظمة, من يدري ربما يصل بي الجنون لأن أدعي النبوة واستغفر الله.
هذا ببساطة جزء من تركيبة الحقيقة, هذا هو بالضبط ما يدهشنا في كل الألعاب السحرية, يدهشنا خروج الأرنب من القبعة, يدهشنا الساحر الذي يقطع مساعدته الفاتنة لنصفين, يدهشنا الرجل الذي يخرج قطعة نقود من الأذن, لأننا نظن أن هناك شيئاً خارقاً سحرياً يحدث, هناك كذبة نحاول أن نقنع أنفسنا أنها تحدث, وحين نكتشف أن كل ما في الأمر لا يتعدى خفة يد, ولا يتعدى بطء بديهة وملاحظة من قبلنا, حينها تخبو كل الأنوار, ويصير كل شيء مملاً, سخيفاً, مقيتاً. لكن لو لم نكتشف الحقيقة, فإننا نستطيع أن نكذب على أنفسنا, ونظل نتخيل, ثم يحيط بالخيال غموض, ثم يتركز الغموض ليصير جمال .. جمال ينتج عنه أدب .. جمال ينتج عنه فن .. جمال ينتج عنه فلسفة .. جمال ينتج عنه رياضيات .. جمال ينتج عنه فيزياء .. جمال يوصلنا للحقيقة .. جمالا بدء بكذبه .. تماماً مثل رأيك في قصائدي ..
عزيزتي أكثر ما يفتنني فيك هو ما لا أعرفه عنك, ما لا أعرفه عنك يعطيني مساحة للكذب, يجعلني أتخيلك, عزيزتي أنتي غير موجودة, أنا أعرف ذلك, لكن بهذه الطريقة أستطيع أن أرسم لك أجمل الصور, أستطيع أن أتخيلك في أبهى حله, أستطيع أن أكذب على نفسي ..
عزيزتي أكثر ما يخيفني منك هو ما لا تعرفينه عني ..
أني غير موجود ..
تماماً مثل رأيك في قصائدي ..
ميليمتر قبل خط النهاية
الأبطال والشجعان هم ناس لم يملكوا الجراءة ليخرجوا من الكتب

17 أكتوبر 2007 في الساعة 4:15 م
[…] 12. سعود العمر : تركيبة الحقيقة […]
25 يناير 2008 في الساعة 3:11 ص
بدأت أصدق تلك الأكاذيب..
أنا منبهرة..جدا!!