تحليل فكرة رواية “حياة باي”

2 أبريل 2008 - مصنف في: مراجعات عن روايات

تنبيه: هذا التحليل يكشف حبكة الرواية, ويحرق العمل على من لم يقرأه.

 

  b8.jpg

 

قرأت اليوم في منتدى ( مكتبة الجسد ) التابع لمنتدى ( جسد الثقافة ) سؤال كتبه أحد الأعضاء, اسمه المستعار هو ( القديس ), السؤال كالتالي: رواية ( حياة باي ) هل حقاً تجعلك تؤمن بالله؟

في العام الماضي ( 2007 ) كنت قد كتبت مراجعة عن هذه الرواية, وكنت أريد أن أتحدث عن هذه النقطة, لكن المشكلة التي واجهتني حينذاك أن إجابة هذا السؤال تحرق الرواية, وهو ما يخالف أسلوب كتابة المراجعات الذي أتبعه؛ لذا فضّلت تجاوزها.

كنت قد لمّحت للإجابة بشكل غامض في القضية الثالثة من القضايا التي أثارتها الرواية. ولكن الآن, وبمناسبة طرح السؤال, قررت أن أتحدث عن هذه النقطة بشكل واضح وصريح.

في حال أن لم تنتبه للتنبيه أعلاه؛ هذا التحليل يحرق الرواية على من لم يقرأها.

والآن لنبدأ بالإجابة:

هذه الرواية حازت على جائزة ( بوكر ) لأنها رواية ذكية للغاية, هذا الروائي كتبها بالشكل الصحيح, هذا العمل قدّم فكرة رائعة بالفعل, هذا عمل فلسفي بقدر ما هو عمل أدبي, وفي نفس الوقت هي رواية ممتعة تستطيع قرأتها والاستمتاع حتى لو لم تنتبه لمقصد الرواية.

( الفصل الثالث ) من الرواية هو ( الزبدة ) وهو مفتاح العمل.

عندما نجا باتيل من القارب وحضر الرجال الذين يمثّلون الحكومة اليابانية ليأخذوا أقواله, ذكر لهم قصتين, الأولى قصة مثيرة ( وهي القصة التي هي عبارة عن أحداث الرواية ) والثانية قصة مملة ( القصة التي كانت من دون حيوانات ).

القصة المملة كانت حسب وصف باتيل ( قصه قابله للتصديق ). فهي قصة كان كل شيء فيها واضح ومنطقي .. ولذا هي قصة مملة.

القصة المثيرة, كان من الصعوبة تصديقها, فهي قصة تجعلنا نشك في صحتها, وهي صعبة التصديق لأنها قصة مثيرة ورائعة واستثنائية؛ بينما العالم الذي نعيش فيه, كما يراه ويفهمه معظم الناس, هو عالم رتيب وممل .. لذا هي قصة صعبة التصديق.

وكما رأيت من الرواية فإن القصة التي حدثت في الحقيقة هي القصة المثيرة؛ فكون القصة أكثر إثارة هذا بالطبع سوف يجعلها أكثر صعوبة على التصديق, ولكن كونها صعبة التصديق فهذا لا يعنى أنها غير حقيقية.

باتيل خاض مغامرة فريدة وفوق عاديه, ونجا بشكل مذهل منها, وقصة باتيل وصفت منذ البداية بأنها سوف تجعلك تؤمن بالله, وباتيل كان يعبد الله أثناءها بشكل عجيب؛ لذا بعد وصول باتيل للشاطئ يكون السؤال: هل نجا لأنه كان مؤمن؟ أم لأنه كان ذكياً في تصرفاته في القارب؟

نسبياً القصة الأولى هي القصة المملة ( قصة أنه نجا بذكائه ) لأنها قصة ( قابله للتصديق ) فكل شيء حدث أمامك بسبب واضح, فأنت كنت ترى باتيل كيف كان يتصرف, واقتنعت أن وصوله للشاطئ كان بسبب ما قام به على القارب, وفي النهاية اقتنعت بكل ما جرى, وباتيل يقول أن القصة الأكثر سهولة للتصديق هي القصة الأكثر إملالاً .. لذا هذه القصة ( حسب منطق الرواية ) هي القصة المملة.

القصة الثانية ( قصة أنه نجا لأنه مؤمن بالله ) هي القصة المثيرة لأنها ( قصة صعبه التصديق ) .. أليس هذا هو محور الرواية؟ .. قصة تجعلك تؤمن بالله !! .. بمعنى أن القارئ يبحث عن دليل ليثبت صحة قصة صعبة التصديق بالنسبة له.

حسناً؛ بغض النظر عن القصة المثيرة أو مملة, أيهما القصة الحقيقة؟ هل نجا لأنه مؤمن أم نجا لأنه ذكي؟

هل سبق وأن رأيت لوحة يشوّه فنانها جزء منها كي تكون أجمل؟ ..

اقرأ الحوار الموجود في الفصل الثالث مره أخرى, تخيل أنك شخص برئ, وهناك من يحقّق معك, مالذي سوف تقوله؟ .. سوف تسرد الحقيقة بالطبع! .. لكن عندما تجاهل الأديب “يان مارتل” هذا السلوك الطبيعي والسوي عند الإنسان, وجعل باتيل يذكر الحقيقة ( التي عشناها معه ) ثم يذكر يعد ذلك قصة لم تحدث فهناك خطأ ما, هذا لا يحدث في الطبيعة!, هذا ليس سلوكاً بشرياً!, هناك شيء ما يريد أن يقوله الروائي لنا هنا!. لماذا يذكر باتيل قصة أخرى لم تحدث؟!, مالذي يحاول أن يقوله الروائي؟ ..

عندما بدأ باتيل يقص القصة الثانية للرجال اليابانيين هنا انعطفت الرواية وكشف الروائي ورقته الأخيرة ..

من هذه النقطة يخبرنا الروائي, ضمنياً, أن قصة الرواية نفسها غير حقيقة, القصة كلها ملفقه, القصة كلها لم تقع, لا يوجد هندي اسمه باتيل,  ولا نمر اسمه ريتشارد؛ الروائي افتعل كل شيء وأنت صدقت. فالروائي, حتى هذه اللحظة, نجح في إقناع القارئ أن الرواية حدثت بالفعل وأن الأحداث حقيقية. 

هذا يعني أنك إذا كنت قد اعتبرت أن القصة المملة السهلة على التصديق ( أنه نجا بذكائه ) هي القصة الحقيقية فالروائي يقول لك أن هذه القصة أصلا كلها لم تحدث من الأساس.

القارئ في لحظة ما وقبل أن يكتشف أن القصة كذب, كان يعتبر كل شيء حقيقياً, وفي لحظة ما, ولأنه عاش القصة حدث بحدث, ولأنه لم يكن هناك تدخل إلهي مباشر سافر في الأحداث, كان القارئ يعتقد أن ( باتيل نجا بذكائه ) هي القصة الحقيقة لأنها الأكثر إقناعاً, لكن في اللحظة التالية يكتشف أن القصة التي اعتقد بأنها هي الحقيقية, وفضلها على قصة ( الإيمان بالله ), هي قصة مخترعه, ومكذوبة, وملفقه.

هل يؤمن المؤمن بالله لأن الإيمان أقنعه؟ .. حقيقة: لا .. المؤمن يؤمن بالله لأنه يعتقد اعتقادا جازماً بذلك. الدليل العقلي ( إن وجد ) يزيد الاعتقاد شده ولكنه لا يوجد الاعتقاد من لا شيء؛ أما من أين يجيء هذا الاعتقاد فهذا موضوع آخر.

فكرة الرواية هي كالتالي: إذا كنت سوف تؤمن بالله فلا تبحث عن دليل, لا تبحث عن الاحتمال الأكثر إقناعاً ( مثل: نجا لأنه ذكي ), ولا ترفض الإيمان بالله لأنه احتمال غير عادي, أو يخالف رتابة العالم, أو أنه يحمل إثارة ( مثل: نجا لأنه يؤمن بالله ) قد يرفضها المنطق الذي يبحث عن القانون الذي يحاول أن يفسر العالم.

نعود الآن للسؤال الأول: هل تجعلك الرواية تؤمن بالله؟

بالطبع لا, لكنها توضح طبيعة الإيمان من وجهة نظر الروائي.

 

***

مراجعة رواية ( حياة باي )


التعليقات 4 على (تحليل فكرة رواية “حياة باي”)

  1. ديمة:

    (F)

  2. أوركيد:

    السلام عليكم

    ربي يحفظك ويبارك لك فيما اعطاك
    دائماً ما تبهرني مواضيعك ماشاءالله تبارك الله

    اتعلم شوقتني اقرأ الرواية اكثر

    دمت لنا ،

  3. برائة طفلة:

    حمستني اكثر لقرائتها

    لك دوما (F)

  4. ندى الفجر:

    استمتعت بتحليلك ..

    أعطيتنا فكرة لقرآءة كتاب ..

    شكراً لك ..
    في حفظ الرحمن ..


أكتب تعليقاً